فخر الدين الرازي

184

تفسير الرازي

وكيف لكم بالتقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا والثالث : أن ينتصب بكفرتم على تأويل جحدتم ، أي فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة ، والجزاء لأن تقوى الله لا معنى لها إلا خوف عقابه . المسألة الثالثة : أنه تعالى ذكر من هول ذلك اليوم أمرين الأول : قوله : * ( يجعل الولدان شيباً ) * وفيه وجهان الأول : أنه مثل في الشدة يقال في اليوم الشديد : يوم يشيب نواصي الأطفال والأصل فيه أن الهموم والأحزان ، إذا تفاقمت على الإنسان ، أسرع فيه الشيب ، لأن كثرة الهموم توجب انقصار الروح إلى داخل القلب ، وذلك الانقصار يوجب انطفاء الحرارة الغريزية وانطفاء الحرارة الغريزية وضعفها ، يوجب بقاء الأجزاء الغذائية غير تامة النضج وذلك يوجب استيلاء البلغم على الأخلاط ، وذلك يوجب ابيضاض الشعر ، فلما رأوا أن حصول الشيب من لوازم كثرة الهموم ، جعلوا الشيب كناية عن الشدة والمحنة ، وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل الوالدان شيباً حقيقة ، لأن إيصال الألم والخوف إلى الصبيان غير جائز يوم القيامة الثاني : يجوز أن يكون المراد وصف ذلك اليوم بالطول ، وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة والشيب ، ولقد سألني بعض الأدباء عن قول المعري : وظلم يملأ الفودين شيباً وقال : كيف يفضل هذا التشبيه الذي في القرآن على بيت المعري ؟ فقلت : من وجوه الأول : أن امتلاء الفودين من الشيب ليس بعجب ، أما صيرورة الولدان شيباً فهو عجيب كأن شدة ذلك اليوم تنقلهم من سن الطفولية إلى سن الشيخوخة ، من غير أن يمروا فيما بين الحالتين بسن الشباب ، وهذا هو المبالغة العظيمة في وصف اليوم بالشدة وثانيها : أن امتلاء الفودين من الشيب معناه ابيضاض الشعر ، وقد يبيض الشعر لعلة مع أن قوة الشباب تكون باقية فهذا ليس فيه مبالغة ، وأما الآية فإنها تدل على صيرورة الولدان شيوخاً في الضعف والنحافة وعدم طراوة الوجه ، وذلك نهاية في شدة ذلك اليوم وثالثها : أن امتلاء الفودين من الشيب ، ليس فيه مبالغة لأن جانبي الرأس موضع للرطوبات الكثيرة البلغمية ، ولهذا السبب ، فإن الشيب إنما يحدث أولاً في الصدغين ، وبعده في سائر جوانب الرأس ، فحصول الشيب في الفودين ليس بمبالغة إنما المبالغة هو استيلاء الشيب على جميع أجزاء الرأس بل على جميع أجزاء البدن كما هو مذكور في الآية ، والله أعلم . النوع الثاني : من أهوال يوم القيامة قوله : * ( السماء منفطر به ) * وهذا وصف لليوم بالشدة أيضاً ، وأن السماء على عظمها وقوتها تنفطر فيه ، فما ظنك بغيرها من الخلائق ، ونظيره قوله : * ( إذا السماء انفطرت ) * ( الانفطار : 1 ) وفيه سؤالان : السؤال الأول : لم لم يقل : منفطرة ؟ الجواب من وجوه : أولها : روى أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء ، إنما قال : * ( السماء منفطر ) * ولم يقل : منفطرة لأن مجازها مجاز السقف ، تقول : هذا سماء البيت وثانيها : قال الفراء : السماء تؤنث وتذكر ، وهي ههنا في وجوه التذكير